دهون قاتلة: لمَ ما زلنا نتناولها؟

أخبار حسناء منذ 8 سنوات و 1 شهور 615
دهون قاتلة: لمَ ما زلنا نتناولها؟

الأطعمة اللذيذة والأقرب إلى القلب هي التي تقدم لنا صورة وردية عن طفولتنا: شوكولا من مجموعة Quality Street، تحلية من ماركة Angel Delight، مشروبات ليلية فورية من ماركة Horlicks ومكعبات مرقة من ماركة Knorr.

باعتبارها ماركات، تعاني هذه الأصناف كثيراً، فهي لا تتمتع بأفضلية كبرى على منافساتها من الماركات الأكثر حداثة المطروحة على رفوف المتاجر. بالتأكيد ليست صحية مثلها، والحقيقة هي أن بعض الأطعمة السهلة التحضير التي تشعرنا بالامتلاء وتبقى في ذاكرتنا منذ فترة الشباب تبذل قصارى جهدها لتقتلنا.

المذنب في ذلك هو مادة واحدة، الزيت النباتي المهدرج، عادة ما تكون مختبئة ومدونة بأحرف صغيرة على لائحة المكونات. بدايةً، يبدو هذا الزيت غير مؤذٍ لكنه أحد المنتجات الأكثر خطورة التي يمكن أن تتوافر في الطعام الذي نتناوله.

صحيح أن المخاوف الغذائية ليست حديثة العهد، لكن الزيت النباتي المهدرج يرفع المخاطر الصحية إلى مستوى جديد تماماً. تشير الأبحاث العلمية الحديثة إلى أنه قد يكون مسؤولاً عن عدد كبير من الأزمات القلبية، على رغم أنه ما زال غير محدد حتى الآن.

في هذا السياق، تبين من خلال الأبحاث السريرية أن هضم غرامين يومياً من الزيت النباتي المهدرج، وهي الكمية الموجودة في فطيرة محلاة واحدة Doughnut مقلية بهذا النوع من الدهون، يزيد احتمال اصابة المرء بأمراض القلب بنسبة 23 في المئة، ما يجعل هذا الزيت أكثر خطورة على الصحة من الدهون المشبعة كالزبدة التي غالباً ما تُستبدل به، بالإضافة إلى أنه يبدل مستوى الكولستيرول في الدم ويحفز البدانة ويتسبب بحالات من الالتهاب، ويمكن أن يكون سبباً للعقم.

لكن على الرغم من المخاطر، يستمر منتجو الطعام في المملكة المتحدة باستعماله في المنتجات اليومية. من بين الماركات التي تستعمل هذا النوع من الزيت في منتجاتها، نجد Cadbury Heroes، بعض الحلويات التي تنتجها شركة Nestlé وماركة Mars، Batchelors Cup a Soups، وحتى كبسولات زيت السمك من ماركة Haliborange التي تحتوي على أحماض الاوميغا 3 والمخصصة للأولاد.

يُشار إلى أن استعماله لا ينحصر بالمنتجات التي تباع بالتجزئة، فالزيت النباتي المهدرج أو الدهون المتحولة، كما يُسمى في بعض الأحيان، يستعمل على نطاق واسع في المعجنات، أو منتجات المخابز، وفي المطاعم ومحلات بيع الأطعمة السريعة، حيث لا يشار إليه على لائحة المحتويات ولا داعي للتصريح بوجوده.
Sotaliraq.com
مخاطر

بالنظر إلى المخاطر الكامنة، لمَ تستمر بعض شركات المنتجات الغذائية البارزة في وضع هذه المادة القاتلة في منتجاتها؟ الجواب بسيط، ويكمن في كلفة هذه المادة وملاءمتها. اكتشفت الدهون المتحولة عام 1903، عندما كان الزيت يصل إلى درجة غليان تتخطى 260 درجة مئوية في ظل وجود مواد محفزة معدنية كالنيكل. جاءت النتيجة بتبدل تركيبته الجزيئية محولة الزيت إلى مادة جامدة، مدهنة، رمادية اللون أشبه بالشحم أو الدهن، كما وصفها أحد المراقبين وهي أشبه «ببشرة إنسان ميت». كان الهدف الأساسي من صنع هذه المادة، ابتكار شكل غير مكلف من الشمع، باعتباره بديلاً عن الشحم الحيواني الأكثر كلفة. لكن استعمال هذا الشمع في انتاج المواد الغذائية كان اكتشافاً ثانوياً ينبع من حس تجاري.

قد يبدو الزيت النباتي المهدرج مقرفاً، لكنه يعتبر، بطرق عدة، مادة مهمة جداً بالنسبة إلى العلماء، بحسب الكاتبة في مجال الصحة ماغي ستانفيلد، التي نشرت حديثاً كتاباً بعنوان Trans-Fat: The Time Bomb in Your Food، وتورد فيه القصة الكاملة لعملية قبول هذا الزيت أو هذه الدهون المتحولة في قطاع الصناعة الغذائية.

تعتبر الكاتبة أنه «يمكن استعمال هذا النوع من الزيوت كبديل عن الزبدة، فهو أقل كلفة بكثير، فضلاً عن أنه بلا طعم ويعطي ما تسميه صناعة الأغذية «نكهة لذيذة بالنسبة إلى المستهلك»، وتدوم فاعليته طويلاً جداً. عرض برنامج تلفزيوني أميركي حديثاً قالب حلوى خيالياً مصنوعاً منذ أكثر من 25 سنة. لكنه ما زال يبدو رائعاً».

في هذه الأيام، تتوافر البدائل الأقل ضرراً للاستعمال، وبدأ بعض منتجي الأغذية في المملكة المتحدة راهناً الاستفادة منها. مع ذلك يصر آخرون على الاستمرار في استعمال هذه الزيوت. لمَ لا يفعلون ذلك؟ فالدهون المتحولة تبقي كلفة الانتاج منخفضة، بالإضافة إلى أن معظم المستهلكين ما زالوا غير مدركين لمخاطرها، معتقدين خطأً أن الخطر الحقيقي على صحتهم يكمن في الدهون المشبعة كزيت النخيل والزبدة، اللذين يعتبران في الواقع أقل خطراً بكثير.

براهين

بالنظر إلى حجم البراهين العلمية التي تراكمت الآن ضد الدهون المتحولة، ثمة قضية كبرى مطروحة أمام الحكومة تقضي بحظر استعمال هذه المواد. يُشار إلى أن ذلك سبق أن حصل في الدانمارك، حيث دخل التشريع الذي يزيل الزيت النباتي المهدرج من السلسلة الغذائية حيز التنفيذ منذ خمس سنوات. منذ ذلك الحين، انخفضت أمراض القلب في صفوف الدانماركيين بنسبة كبيرة بلغت 40 في المئة. تعتبر سويسرا الدولة الأوروبية الوحيدة التي حذت حذو الدانمارك، ففرضت هذا الحظر في شهر أبريل (نيسان) الماضي. أما بريطانيا فهي لا تخطط لاتخاذ أية خطوات، وترضى عوضاً عن ذلك بترك قطاع صناعة الأغذية يصلح أموره بنفسه.

لكن هل سيفعل ذلك؟ ثمة إشارات قليلة تدل على الحماسة إلى التغيير. من الناحية القانونية، في المملكة المتحدة، ينبغي ذكر وجود الزيوت النباتية المهدرجة على لائحة المكونات، لكن بالنسبة إلى المتسوقين، ليس هذا الاسم إلا كلمة أخرى من دون معنى، فما من إشارة إلى أنه يضر بالصحة. في السنة الماضية أبرمت صفقة طوعية من قبل متاجر بارزة للبيع بالتجزئة، لكنها لا تلزمهم إلا بإزالة الزيوت النباتية المهدرجة من منتجاتهم الخاصة، وثمة دلائل على أن هذه الصفقة تنتهك.

في هذا السياق، يقول البروفسور ستين ستاندر، اختصاصي دانماركي في مجال أمراض القلب قاد المسيرة نحو حظر الدهون المتحولة، إن «القواعد الطوعية لا تكون فاعلة أبداً». يتابع: «لمَ يحتاج الناس أن يعرفوا تعابير كالزيوت النباتية المهدرجة؟ على الاتحاد الأوروبي أن يحظر استعمال هذه الزيوت».

أدلة

بعدما أجرت ماغي ستانفيلد أبحاثاً معمقة بهذا الشأن، اقتنعت بأن مقدار الزيت المهدرج الوحيد الذي يمكن تناوله من دون أن يضر بالصحة، هو عدم تناول أية نقطة أبداً. تقول: «عندما نتناول دهوناً متحولة، ترتبك خلايانا، وتصنف هذه الدهون على أنها غير مشبعة، فهي في النهاية تأتي من الزيت النباتي، لكن بسبب عملية التصنيع التي تخضع لها، لا يمكن للخلايا أن تتحمل الدهن كما كانت ستتحمل دهوناً حقيقية غير مشبعة».

تضيف: «تغير الزيوت المهدرجة النباتية بنية الخلايا، وتجعل جدرانها ناعمة، متسببة بارتفاع مستوى الكولستيرول السيئ وبانخفاض مستوى الجيد. بالتالي تتسع الفجوة وتجعلنا أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب».

كذلك تعتقد ستانفيلد أنه من الملائم بالنسبة إلى قطاع صناعة الأغذية أن يبقي مسألة الدهون المتحولة سرية، وألا يتخذ أية خطوات في سبيل كشفها إلى العلن. تتابع وتقول إن «هذه الدهون مفيدة جداً بالنسبة إلى هذه الصناعة بما أنها تبقى صالحة بعد سنوات، لا تضيف أية نكهة غير مرغوب فيها، لا تحتاج إلى أن توضع في مكان بارد، وكلفتها منخفضة جداً على عكس بدائلها الطبيعية. على سبيل المثال، يمكن أن تقلى البطاطا على مدى أشهر في الزيت النباتي المهدرج نفسه، في حين أنه ينبغي تغيير الزيت النباتي بعد أيام قليلة من استعماله».

تضيف ستانفيلد أنه بالنظر إلى أن ثمة أدلة حاسمة على الضرر الذي تسببه الزيوت النباتية المهدرجة، من الضروري التوصل إلى حظر يمتد على الاتحاد الأوروبي بأكمله. تتساءل: «ما الذي ننتظره؟ مهدت لنا الدانمارك الطريق ويبقى على الجزء المتبقي من أوروبا أن يتخلص اليوم من هذه المادة القاتلة».

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -